سيد محمد طنطاوي

12

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فقال حذيفة للرجل : أنا أنبئك بها ، قد عرفت لم كرهها ؟ نزلت في رجل من أهل بيته يقال له : « عبد الإله » أو عبد اللَّه ، ينزل على نهر من أنهار الشرق ، تبنى عليه مدينتان ، يشق النهر بينهما شقا . فإذا أذن اللَّه في زوال ملكهم . . بعث اللَّه على إحداهما نارا ليلا . . ثم يخسف اللَّه - تعالى - بالأخرى فذلك قوله * ( حم . عسق ) * . يعنى : عزيمة من اللَّه وفتنة وقضاء حمّ * ( حم ) * ، وعين ، يعنى عدلا منه ، وسين : يعنى سيكون . وق ، يعنى : واقع بهاتين المدينتين . . « 1 » . والكاف في قوله - تعالى - : * ( كَذلِكَ ) * بمعنى مثل ، واسم الإشارة يعود إلى ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من عقائد وأحكام وآداب . أي : مثل ما في هذه السورة الكريمة من دعوة إلى وحدانية اللَّه ، وإلى مكارم الأخلاق ، أوحى اللَّه به إليك وإلى الرسل من قبلك ، لتبلغوه للناس كي يعتبروا ويتعظوا . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ) * كلام مستأنف ، وارد لتحقيق أن مضمون السورة ، موافق لما في تضاعيف الكتب المنزلة ، على سائر الرسل المتقدمين في الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق . والكاف مفعول * ( يُوحِي ) * أي : يوحى مثل ما في هذه السورة من المعاني . وجئ بقوله : * ( يُوحِي ) * بدل أوحى للدلالة على استمراره في الماضي ، وأن إيحاء مثله ، عادته - تعالى - : و * ( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * صفتان له - عز وجل - « 2 » . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِه ، وأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْباطِ وعِيسى وأَيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً « 3 » . ثم ذكر - سبحانه - صفات أخرى لذاته فقال : * ( لَه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ وهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) * . أي : لقد أوحى اللَّه - تعالى - إليك - أيها الرسول الكريم - بهذا القرآن كما أوحى إلى الرسل من قبلك بما شاء من وحى ، وهو - سبحانه - العزيز الذي لا يغلبه غالب ، الحكيم في

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 177 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 25 ص 11 . ( 3 ) سورة النساء آية 163 .